ابن تيمية
69
مجموعة الفتاوى
فالقبالات الَّتِي ذَكَرَ ابْنُ عُمَر أَنَّهَا رِباً : أَنْ يَضْمَنَ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا النَّخْلُ وَالْفَلَّاحُونَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسِ مُغَلِّهَا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ قَرْيَةٌ فِيهَا شَجَرٌ وَأَرْضٌ وَفِيهَا فَلَّاحُونَ يَعْمَلُونَ لَهُ تَغُلُّ لَهُ مَا تَغُلُّ مِن الحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ بَعْدَ أُجْرَةِ الْفَلَّاحِينَ أَوْ نَصِيبِهِمْ فَيَضْمَنُهَا رَجُلٌ مِنْهُ بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ مِن الحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَهَذَا مَظْهَرُ تَسْمِيَتِهِ بِالرِّبَا . فَأَمَّا ضَمَانُ الْأَرْضِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الرِّبَا بِسَبِيلِ . وَمَنْ حَرَّمَهُ فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ . ثُمَّ إنَّ أَحْمَد لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ أَرْضاً بَيْضَاءَ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عِنْدَهُ جَائِزَةٌ وَإِنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مِنْ جِنْسِ الْخَارِجِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ بِمَنْفَعَتِهِ وَمَالِهِ فَيَكُونُ الْمُغَلُّ بِكَسْبِهِ ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهَا الْعُلُوجُ وَهُمْ الَّذِينَ يُعَالِجُونَ الْعَمَلَ . فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِيهَا شَيْئاً لَا بِمَنْفَعَتِهِ وَلَا بِمَالِهِ بَلْ الْعُلُوجُ يَعْمَلُونَهَا . وَهُوَ يُؤَدِّي الْقَبَالَةَ وَيَأْخُذُ بَدَلَهَا . فَهُوَ طَلَبُ الرِّبْحِ فِي مُبَادَلَةِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ صِنَاعَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ وَهَذَا هُوَ الرِّبَا . وَنَظِيرُ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رِباً ، وَهُوَ اكْتِرَاءُ الْحَمَّامِ وَالطَّاحُونِ وَالْفَنَادِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْتَفِعُ الْمُسْتَأْجِرُ بِهِ فَلَا يَتَّجِرُ فِيهِ وَلَا يَصْطَنِعُ فِيهِ . وَإِنَّمَا يَكْتَرِيهِ لِيُكْرِيَهُ فَقَطْ ، فَقَدْ قِيلَ : هُوَ رِباً . وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رِباً لِأَجْلِ النَّخْلِ وَلَا لِأَجْلِ الْأَرْضِ إذَا